سعيد عطية علي مطاوع
188
الاعجاز القصصي في القرآن
مثلا من قصة يوسف ، فالقصة قد قسّمت ثمانية وعشرين مشهدا ، فلنعرض بعض مشاهدها : لقد قدم إخوة يوسف وهو " علي خزائن الأرض " ، في سنوات الجدب ، يطلبون القمح ، فطلب إليهم أن يحضروا أخاهم الآخر . . . شقيقه . . فأحضروه - علي كره من أبيه - ثم وضع صواع الملك في رحله وأخذ به رهينة ، باسم أنه سارق ، ليبقيه يوسف عنده . . . ثم ها هم أولاء إخوته ينتحون جانبا ليتشاوروا في أمرهم ، وقد أبي عليهم يوسف أن يأخذ أحدهم مكانه : " فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ " ( يوسف : 80 - 82 ) . . . وهنا يسدل الستار ، لنلتقي بهم في مشهد آخر لا في مصر ولا في الطريق ، ولكن أمام أبيهم ، وقد قالوا له ما وصّاهم به أخوهم دون أن نسمعهم يقولونه . إنما يرفع الستار مرة أخري لنجد أباهم يخاطبهم : " قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ " ( سورة يوسف : 83 ) ويسدل الستار . . . وهنا نري مشهدا آخر بين يعقوب وبنيه ، ونراه قد ابيضّت عيناه من الحزن ، وهو دائم الحسرة علي يوسف ، وأبناؤه يستنكرون عليه هذا كله : " وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ " ( يوسف : 84 - 87 ) .